في السابع من شهر أيار من العام 2026، وزعت سلطات الاحتلال الإسرائيلي أمرا عسكريا جديدة على أهالي مدينة جنين يقضي بمصادرة 7.2 دونما من الأراضي الفلسطينية في المدينة لأغراض عسكرية بحسب ما ورد في الامر. ويحمل الامر العسكري الإسرائيلي الجديد رقم 26/07/وضع اليد (يهودا والسامرة) , 5786-2026 ويستهدف الأراضي الواقعة في الحوض رقم 20071 في القطع التي أرقامها التالي: 40 و41 (طريق بين قطع). والملفت في الامر العسكري الإسرائيلي الصادر أن الأراضي الفلسطينية المستهدفة تقع في المنطقة المصنفة “ا” بحسب اتفاقيات أوسلو الثانية المؤقتة والموقعة في العام 1995 والتي تخضع للسيطرة الفلسطينية الكاملة أمنيا وأداريا. الصورة 1 & 2.
![]() |
![]() |
الصورة 1& 2: الامر العسكري الإسرائيلي رقم 26/07/وضع اليد (يهودا والسامرة), 5786-2026
المصادرة لأغراض عسكرية – بين النظرية والواقع
تستخدم دولة الاحتلال الإسرائيلي ما تعتبره “أداة قانونية” تُسمّى “أمر وضع يد لأغراض عسكرية” للاستيلاء على الأراضي الفلسطينية. وبحسب الامر الصادر، فان هذا الاستيلاء هو “بشكل مؤقت” -نظريا-بذريعة وجود ضرورة أمنية أو عسكرية مستعجلة مثل فتح طريق استيطاني عسكري أو إقامة نقطة مراقبة عسكرية أو حاجز وإقامة معسكر منطقة غيرها من الذرائع العسكرية، ولكن عمليا، ومن خلال مراقبة حثيثة للأوامر العسكرية الإسرائيلية الصادرة خلال أعوام الاحتلال الإسرائيلي فان هذه المصادرة “المؤقتة” تمتد لسنوات طويلة وتتحول لاحقًا إلى واقع دائم ومرير على الأرض الفلسطينية يصعب تغييره أو التخلي عنه. وفي وضع الامر العسكري الإسرائيلي الجديد الصادر في مدينة جنين، فان الأراضي المستهدفة تقع ضمن منطقة عمرانية فلسطينية، بعيدة كل البعد عن أية مستوطنة أو بؤرة استيطانية إسرائيلية في المنطقة مما يدع الشك بأن سلطات الاحتلال تنوي الاستيلاء على المنطقة من أجل ترسيخ وجودها العسكري في المنطقة حتى وان كانت ضمن المنطقة المصنفة “ا”, التي تخضع للسيطرة الفلسطينية الكاملة.
وفي تحليل للأمر العسكري الإسرائيلي الصادر والمنطقة المستهدفة، فان سلطات الاحتلال بصدد إقامة معسكر في المنطقة المطلة لمخيم جنين حيث أن المخطط المرفق بالأمر العسكري يظهر أن سلطات الاحتلال تسعى لربط المنطقة المستهدفة بالشارع الرئيسي المؤدي لمخيم جنين لتسهيل مهمة اقتحام المخيم كلما دعت الحاجة الى ذلك. تجدر الإشارة الى أنه خلال الاعوام القليلة الماضية، عمدت سلطات الاحتلال الى استهداف مخيم جنين شمال الضفة الغربية وبصورة مكثفة وأكثر دموية وتدميرا. فبتاريخ الثالث من شهر تموز من العام 2023 شنت سلطات الاحتلال الإسرائيلية عملية اقتحام واسعة النطاق على مخيم جنين شاركت فيها طائرات حربية ومروحيات واقتحام بري، طالت المدنيين الفلسطينيين (من شهداء وجرحى واعتقالات) والمنازل والبنية التحتية بجميع اشكالها, من طرق (تدمير 3.9 كم طريق) وشبكات مياه (8 كيلو متر طول – حرمان 300 منزل تقريبا من حقهم للوصول الى المياه) و شبكات صرف صحي (تدمير شبكة بطول 2 كم وتضرر أكثر من 100 جراء هذا الاستهداف) و شبكات كهرباء (تدمير ثلاث محولات رئيسية للكهرباء) وشبكات اتصالات وغيرها, الامر الذي كبد المخيم خسائر فادحة بلغت اكثر من 5 مليون دولار واسفرت أيضا عن استهداف أكثر من 10 مدنيين فلسطينيين واعتقال مئات الفلسطينيين[1]. ووصفت عملية الاقتحام هذه بأنها العملية “الأكثر دموية ” خلال الفترة الماضية.
وخلال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، نفذت قوات الاحتلال الإسرائيلية عدة اقتحامات برية للمخيم استكمالا لما بدأت به في شهر تموز من العام 2023، حيث انه في السادس من شهر كانون الثاني من العام 2024، استهدفت قوات الاحتلال سبعة مدنيين فلسطينيين في المخيم في غارة جوية اسفرت أيضا عن تضرر كبير في المنازل الفلسطينية و البنية التحتية بسبب الاكتظاظ السكاني في المخيمات الفلسطينية. وعادت سلطات الاحتلال في شهر اب من العام 2024، لتستهدف المخيم مرة أخرى حيث أسفرت عملية الاقتحام عن وقوع خسائر بشرية (استهداف خمسة مدنيين فلسطينيين في المخيم) هذا بالإضافة الى اجبار المدنيين الفلسطينيين على هجرة المخيم وتدمير البنية التحتية.
استهداف المنطقة المصنفة “ا”
في الثامن من شهر شباط من العام 2026, قرّر مجلس الوزراء الإسرائيلي أن تبدأ ما يسمى “بجهات الإنفاذ الإسرائيلية” التابعة للإدارة المدنية الإسرائيلية, الذراع الأيمن للحكومة الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة, بالعمل أيضًا في المناطق التي، وفقًا للاتفاقيات الموقعة بين دولة الاحتلال الإسرائيلي ومنظمة التحرير الفلسطينية, التي تقع تحت سلطة وإدارة السلطة الوطنية الفلسطينية, حيث يعطي هذا القرار الضوء الأخضر للإدارة المدنية الاسرائيلية بتنفيذ عمليات هدم ومنع البناء الفلسطيني ليس فقط في المنطقة المصنفة “ج” والتي تخضع للسيطرة الإسرائيلية الكاملة, بل أيضًا داخل المناطق الخاضعة لسيطرة السلطة الوطنية الفلسطينية، في جميع أنحاء الضفة الغربية المحتلة.
وبموجب اتفاقيات أوسلو الموقعة في تسعينيات القرن الماضي، تم تقسيم الضفة الغربية إلى ثلاث مناطق إدارية وأمنية: (أ)، (ب)، و(ج)، بهدف تنظيم المرحلة الانتقالية نحو تسوية نهائية. وبموجب هذا التقسيم، كان يفترض أن تبقى مناطق (أ) خالية من أي وجود إسرائيلي، وأن تدار مناطق (ب) مدنيا من قبل الفلسطينيين مع سيطرة أمنية إسرائيلية، بينما تخصص مناطق (ج) كحيز للسيطرة الإسرائيلية الكاملة، بما في ذلك النشاط الاستيطاني. وكان الإطار القانوني والسياسي لتقسيمات أوسلو: كما يلي
- المنطقة(أ): تخضع لسيطرة فلسطينية مدنية وأمنية كاملة، وتشمل المراكز الحضرية الكبرى. ولا توجد فيها مستوطنات إسرائيلية.
- المنطقة(ب): تخضع لإدارة مدنية فلسطينية مع سيطرة أمنية إسرائيلية، وتشمل غالبية القرى والتجمعات الريفية. ولم تخصص هذه المنطقة للاستيطان وفق الاتفاق.
- المنطقة(ج): تشكل نحو 61% من مساحة الضفة الغربية، وتخضع لسيطرة إسرائيلية كاملة، وتعد المجال الرئيسي للتوسع الاستيطاني والبنية التحتية المرتبطة به.
وبحسب التفاصيل المنشورة حول قرار حكومة الاحتلال الاسرائيلي، فان جهات الإنفاذ التابعة للإدارة المدنية الإسرائيلية والتي من المقرر أن يتوسع نطاق علمها لتشمل المنطقتين المصنفتين (أ) و(ب), في مجالات المواقع التاريخية والأثرية، والشؤون البيئية، والمياه, أي أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي سوف تقوم باستهداف أي بناء فلسطيني في المنطقتين (أ) و(ب) إذا كان هذا البناء يضر بما تصنفه سلطات الاحتلال “بتراث أو اثار” أو يضر بالبيئة أو موارد المياه.
في الختام،
إن إصدار أوامر عسكرية إسرائيلية للمصادرة لأغراض عسكرية داخل المناطق المصنّفة “أ” في الضفة الغربية يمثّل تحولًا خطيرا في طبيعة التعامل مع هذه المناطق التي يفترض، بموجب اتفاقية أوسلو الثانية المؤقتة، أنها تخضع للسيطرة الفلسطينية الكاملة. ورغم تبرير دولة الاحتلال الإسرائيلي أن هذه الأوامر جاءت “للضرورة العسكرية”، إلا أن النشاطات الاستيطانية الإسرائيلية على الأرض الفلسطينية تكشف عن تناقض كبير في سياسات حكومة الاحتلال، حيث تتحول الإجراءات التي “من المفترض” أن تكون مؤقتة إلى وقائع طويلة الأمد وتعيد تشكيل الجغرافيا والسيادة بشكل تدريجي في الضفة الغربية المحتلة.
[1] Israeli forces’ operation in Jenin | Situation Report #1 as of 17:00, 6 July 2023 https://www.ochaopt.org/content/israeli-forces-operation-jenin-situation-report-1
اعداد:
معهد الابحاث التطبيقية – القدس ( أريج)














