مقدمة: –
ان السياسة الاستيطانية الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة هي واحدة من أكثر القضايا التي تقف عائقا في تحقيق سلام عادل وقابل للحياة في الأراضي الفلسطينية المحتلة. فمنذ احتلال الضفة الغربية في شهر حزيران من العام 1967، تبنت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة استراتيجيات أو نهج سياسي لترسيخ الاحتلال في الأراضي الفلسطينية المحتلة، من خلال دعم بناء المستوطنات الإسرائيلية وتوسيعها عبر أعوام الاحتلال، وتوفير الحوافز المالية والقانونية لهذه المستوطنات، وتطوير البنى التحتية لهذه المستوطنات بجميع اشكالها من شبكات مياه وكهرباء واتصالات وطرق التي تربط هذه المستوطنات بعضها ببعض وتخلق تواصلا جغرافيا بينها في ذات الوقت تقطع التواصل الجغرافي بين التجمعات الفلسطينية. على الرغم من الاختلاف في السياسات التي انتهجتها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة ما بين حكومات يمينية ويسارية وما تُصنّف نفسها “وسطية/عمالية”، الا أن سياسة التوسع الاستيطاني بقيت ثابتة وممنهجة وإن اختلفت الأدوات والوسائل.
كما وتمثّلت سياسة الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة أيضا في دعم المستوطنين الاسرائيليين عبر توفير الدعم المالي لهم وخاصة القاطنين في المستوطنات الإسرائيلية الجاثمة في مناطق الاغوار الفلسطينية وتسهيل أو بالحري التغاضي عن البناء غير المرخّص في هذه المستوطنات والبؤر الاستيطانية غير القانونية، هذا بالإضافة الى توسيع ما تطلق عليه سلطات الاحتلال الإسرائيلي “مناطق نفوذ المستوطنات/المخططات الهيكلية” لزيادة سيطرة المستوطنين على مساحات إضافية من الأراضي التي تقع حول المستوطنات حتى تضمن استدامة هذه المستوطنات في المستقبل وأيضا الحرض على خلق تواصل جغرافي بين هذه المستوطنات بعضها ببعض و بين المستوطنات الإسرائيلية في الداخل المحتل لتشمل طرقًا واسعة وبنية تحتية قوية. كما سعت هذه الحكومات الى إنشاء ما يُعرف “بمستوطنات أو مناطق صناعية اسرائيلية” يقطنها ويعمل فيها المستوطنون في محاولة منها لترسيخ استدامة هذه المستوطنات ديموغرافيا وجغرافيا واقتصاديا
وقد أثّرت سياسة الاستيطان الاسرائيلي بشكل مباشر وكبير على حياة المواطنين الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة، سواء عبر الاستيلاء على الأراضي بالأوامر العسكرية المختلفة و المسميات الواهية التي ابتدعتها لأجل لذلك, والفصل الجغرافي الذي أحدثته هذه المستوطنات والطرق الالتفافية التابعة لها والحواجز العسكرية التي تم اقاماتها على هذه الطرق و مداخل المستوطنات وبين التجمعات الفلسطينية من أجل توفير الحماية للمستوطنين الإسرائيليين القاطنين فيها والتي بدورها حدت من حرية تنقل الفلسطينيين بين التجمعات الفلسطينية، هذا بالإضافة الى الاستيلاء على الموارد المائية عبر أعوام الاحتلال الإسرائيلي والذي بدوره انعكس سلبا على القطاع الزراعي في الضفة الغربية المحتلة وأصبحت الضفة تعاني من شح موارد المياه وانخفاض الإنتاج الزراعي.
وخلال العام 2025، تصاعدت وتيرة التوسع الاستيطاني وتمثلت في العدد الكبير من المخططات الاستيطانية التي تم طرحها للبناء في المستوطنات الإسرائيلية، حيث سجل معهد الأبحاث التطبيقية – القدس (أريج) 251 مخططا تم طرحه خلال العام 2025 والذي شمل مخططات بناء لما يزيد عن 31 الف وحدة استيطانية في المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة هذا بالإضافة الى مصادرة ما يزيد عن 33 ألف دونم من الأراضي الفلسطينية للأغراض الفلسطينية المختلفة. وكانت من بين المحافظات الفلسطينية التي تربعت على عرش الاستهداف الإسرائيلي بالمخططات كل من محافظات
خلال العام 2025، شهدت الضفة الغربية المحتلة تصاعدًا كبيرا وغير مسبوق في وتيرة التوسع الاستيطاني الذي تجلّى في العددّ الكبير من المخططات الاستيطانية التي تم طرحها والإعلان عنها للبناء داخل المستوطنات الإسرائيلية. فقد سجل معهد الأبحاث التطبيقية – القدس (أريج) ما مجموعه 251 مخططًا استيطانيًا جرى طرحها خلال العام 2025، وتضمّنت مشاريع لبناء ما يزيد عن 31 ألف وحدة استيطانية جديدة في مختلف مستوطنات الضفة الغربية مع مصادرة أكثر من 33 ألف دونم من الأراضي الفلسطينية لأغراض متعددة مثل شق الطرق وانشاء مستوطنات صناعية وغيرها من مخططات المباني العامة والحدائق حيث تعكس هذه الأرقام السياسة الممنهجة التي تسعى من خلالها حكومة الاحتلال الاسرائيلي إلى فرض أمر ديموغرافي وجغرافي جديد على الأرض الفلسطينية.
وقد برزت عدة محافظات فلسطينية في صدارة الاستهداف الإسرائيلي من المخططات الاستيطانية، حيث تركزت النسبة الأكبر من الوحدات الاستيطانية المطروحة في محافظات ذات أهمية استراتيجية، سواء من حيث موقعها الجغرافي أو امتدادها العمراني أو مواردها الطبيعية، مثل محافظات القدس وبيت لحم ورام الله (على التوالي) وذلك تماشيا مع المخطط الإسرائيلي الأكبر “القدس الكبرى” والذي من خلاله تسعى سلطات الاحتلال الى ضم التجمعات الاستيطانية الكبرى التي تحيط بمدينة القدس (تجمع مستوطنات معاليه أدوميم الى الشرق من مدينة القدس وتجمع مستوطنات غوش عتصيون الى الجنوب الغربي من مدينة القدس وتجمع مستوطنات جفعات زئيف الى الشمال الغربي من مدينة القدس ورام الله) لتصبح, بشكل غير قانوني واحادي الجانب, الحدود الجديدة للمدينة من خلال بناء جدار العزل العنصري الاسرائيلي حولها وتكثيف البناء الاستيطاني فيها. الرسم البياني رقم 1 يمثل توزيع المخططات الإسرائيلية بحسب موقعها في المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة: –
المستوطنات الإسرائيلية الأكثر استهدافا من حيث المخططات الاستيطانية
تُظهر المخططات الصادرة أن الاستهداف الإسرائيلي من خلال المخططات الاستيطانية قد تركز في عدد من المستوطنات ضمن المحافظات السابقة الذكر، حيث برزت مستوطنات معينة من حيث عدد المخططات الاستيطانية الصادرة فيها. ففي محافظة بيت لحم تصدّرت كل من مستوطنات بيتار عيليت، وأفراتا، ومعاليه عاموس، بينما تركزت المخططات في محافظة أريحا والأغوار في مستوطنتي معاليه إفرايم ومتسبيه يريحو. أما في محافظة القدس، فقد كان النصيب الأكبر للمخططات الاستيطانية في كل من مستوطنات جفعات زئيف، ومعاليه أدوميم، وجيلو، وجفعات هماتوس، ونيفيه يعقوب، ورمات شلومو، وبسغات زئيف، مع التركيز على المستوطنات الإسرائيلية الواقعة ضمن الحدود التي رسمتها بلدية القدس بشكل غير قانوني وأحادي الجانب عقب عام 1967. وفي محافظة قلقيلية، شملت المخططات الاستيطانية بشكل كبير مستوطنات ألفيه مناشيه، وكيدوميم، وكرني شمرون، في حين كانت مستوطنة موديعين عيليت الأبرز في محافظة رام الله من حيث عدد المخططات الاستيطانية الصادرة. وتركز النشاط الاستيطاني أيضا في محافظة سلفيت في مستوطنات أريئيل، وبرقان، وعيتص إفرايم، بينما شهدت محافظة نابلس ًتكاثف المخططات الاستيطانية في كل من مستوطنات عيلي (إيلي) وإيلون موريه.
في الختام،
إن التوسع الاستيطاني في المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة هو ليس مجرد نشاطا اعتياديا أو سياسة مؤقتة أو مرتبطة بحكومة إسرائيلية معينة, بل هو نهجا ومسارا منظما, ومتواصلا عبر أعوام الاحتلال الإسرائيلي, بدءا من العام 1967 وحتى يومنا هذا, اذ تتعاقب الحكومات الإسرائيلية على تبني هذه السياسة ولكن بطرق مختلفة, و ان تعددت الطرق والادوات, فالهدف في النهاية واحد الا وهو تكريس الوجود الاستيطاني الإسرائيلي على الأرض الفلسطينية وتعزيزه، سواء عبر البناء العمراني، أو توسيع مناطق النفوذ التابعة للمستوطنات، أو تطوير البنى التحتية وغيرها من النشاطات الاستيطانية.
وعلى الصعيد القانوني الدولي، تنصّ المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 على حظر نقل دولة الاحتلال لأجزاء من سكانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها. كما أن قرارات مجلس الأمن الدولي، ومن أبرزها القرار 446 (1979) والقرار 2334 (2016)، تؤكد أن إنشاء المستوطنات في الأراضي المحتلة “لا يتمتع بأي شرعية قانونية” ويشكّل عقبة أمام تحقيق سلام عادل ودائم في المنطقة. ورغم هذا فان دولة الاحتلال الإسرائيلي مستمرة بالتوسع الاستيطاني وضاربة بعرض الحائط القرارات الدولية كافة.
اعداد:
معهد الابحاث التطبيقية – القدس ( أريج)











