في الضفة الغربية المحتلة، لا يُعتبر اقتلاع الأشجار الفلسطينية مجرد اعتداء على الطبيعة والبيئة، بل هو فعلٌ يمس الثقافة والتاريخ والوجود الفلسطيني اذ يستهدف الإنسان والأرض معًا. فمنذ سنوات عديدة، تتعرض الأشجار الفلسطينية المثمرة—وخاصة أشجار الزيتون—للاقتلاع والتخريب والتدمير على أيدي المستوطنين الإسرائيليين القاطنين في المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية في الضفة الغربية المحتلة وقوات جيش الاحتلال التي تسند هذه الجماعات الاستيطانية في اعتداءاتها، في سياق سياسات أكبر تهدف بمجملها إلى السيطرة على الأرض الفلسطينية والضغط على الفلسطينيين ودفعهم الى الرحيل.
وخلال الأعوام الماضية بشكل خاص، ازدادت الاعتداءات الاستيطانية بحق شجرة الزيتون بشكل خاص، كونها الشجرة الأكثر رمزية للثقافة الفلسطينية، وعمودًا فقريًا للاقتصاد الزراعي الفلسطيني اذ تعتمد مئات العائلات الفلسطينية على الزيتون كمصدر دخل أساسي، سواء عبر إنتاج زيت الزيتون أو المنتجات الأخرى المرتبطة به. وعندما يتم اقتلاع/استهداف هذه الاشجار، والتي في معظم الأحيان، تكون عمر بعضها عشرات السنين، فإن ذلك يعني خسارة مباشرة لجزء من مصدر رزق وبالتالي دفع هذه العائلات نحو الفقر أو الهجرة من أماكن سكناهم بسبب الاعتداءات المباشرة والمستمرة التي تطالهم. وعقب اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في شهر تشرين الأول من العام 2023, دأبت جماعات المستوطنين على استهداف التجمعات الفلسطينية وخاصة البدوية/ الرعوية و استهدافها بشكل مباشر بهدف دفعها الى الرحيل و الاستيلاء على الأرض والممتلكات … وبحسب مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة (بتسيلم), تم رصد 45 تجمعا فلسطينيا في الضفة الغربية المحتلة هجرت بالكامل عن أماكن سكناها بسب اعتداءات المستوطنين المستمرة , يقطنها ما يزيد عن ثلاثة الاف فلسطيني حيث تربعت محافظة رام الله على عرش المحافظات التي شهدت أكبر عدد تهجير للتجمعات الفلسطينية تليها محافظة الخليل جنوب الضفة الغربية المحتلة, هذا بالإضافة الى تهجير جزئي لعدد من التجمعات الفلسطيني (قرابة 13 تجمعا) في جميع أنحاء الضفة الغربية المحتلة لذات الأهداف.[1]
ولا يقتصر اقتلاع الأشجار الفلسطينية على مصدر الرزق والموروث التاريخي فحسب, بل يمتد ليدمر البيئة الفلسطينية ويتسبب في اختلال التوازن البيئي والتأثير على التنوع الحيوي, مما يتسبب بتدهور الأراضي الزراعية، وزيادة التصحر وينعكس سلبًا على المناخ المحلي. تجدر الإشارة, عندما أقدمت سلطات الاحتلال على تأهيل عددا من الطرق الالتفافية الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة, تسببت في تدمير البيئة الفلسطينية اذ أن الأشجار الفلسطينية كانت الأكثر استهدافا جراء هذا النشاط الاستيطاني. ففي محافظة نابلس, على سبيل المثال, تسبب “طريق التفافي حوارة” جنوب مدينة نابلس، الذي تم شقه على أراضي بلدة حوارة (بطول 4.5 كيلومتر تقريبا)، بأعمال التجريف صادرت ما يزيد عن 267 دونما من أراضي البلدة, من ضمنها 63% مزروعة بأكثر من 3400 شجرة زيتون. صورة رقم 1
صورة رقم 1: مقطع من “طريق حلحول الالتفافي” والذي تسبب باقتلاع عشرات الأشجار الفلسطينية
وشهد عام 2025 تصاعدًا كبيرًا وغير مسبوق في أعداد الأشجار الفلسطينية التي تم اقتلاعها وتدميرها بالكامل، حيث تشير الأرقام الميدانية الخاصة بمعهد الأبحاث التطبيقية – القدس (أريج) إلى اقتلاع ما يزيد على 33 ألف شجرة، من بينها مثمرة وأخرى حديثة الزراعة، خلال هذا العام. ويعكس هذا الرقم حجم الاستهداف الممنهج للأراضي الزراعية والأشجار الفلسطينية. وتركزت هذه الاعتداءات الاستيطانية بشكل خاص في عدد من المحافظات الفلسطينية، وكانت الأكثر تضررًا، وفي مقدمتها محافظات الخليل ونابلس ورام الله (على التوالي). الرسم البياني رقم (1) يظهر بوضوح التوزيع الجغرافي لعمليات اقتلاع الأشجار التي ارتكبها الاحتلال ومستوطنيه، مسلطًا الضوء على تصاعد وتيرة هذه الانتهاكات في المحافظات السابقة الذكر.
وتجدر الإشارة الى أن العام 2025 , شهد ارتفاعًا غير مسبوق في أعداد الأشجار التي تم اقتلاعها وتدميرها على يد المستوطنين وقوات جيش الاحتلال الإسرائيلي مقارنة بالأعوام السابقة، وهو ما يشكّل مؤشرًا خطيرا على التصاعد الممنهج في الاعتداءات على الأرض الفلسطينية ومصادر الرزق, اذ لا يمكن فصل هذه الانتهاكات عن السياسات الاستيطانية لحكومة الاحتلال الاسرائيلي، بما في ذلك بناء المستوطنات، وإقامة البؤر الاستيطانية غير القانونية، وتوسيعها على حساب الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية المحتلة وتوطين المستوطنين فيها الامر الذي يقوض من الفرص الحقيقية لتحقيق السلام العادل والدائم.
إن هذه الممارسات تشكّل انتهاكًا صارخًا لمبادئ القانون الدولي الإنساني، وعلى وجه الخصوص اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب، 1949, المادة 53 التي “تحظر على قوة الاحتلال تدمير الممتلكات الخاصة إلا للضرورة العسكرية القصوى،” … تجدر الإشارة إلى أن الأشجار الفلسطينية التي جرى اقتلاعها تم ذلك إما بدافع الانتقام والعمال الاستفزازية، أو بهدف إقامة مشاريع استيطانية، مثل شق طرق استيطانية، أو إنشاء بؤر استيطانية، إضافة إلى غيرها من الأنشطة الاستيطانية التي ينفذها المستوطنون بحق الفلسطينيين وممتلكاتهم.
كما تحظر المادة 49(6) من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 “نقل سكان الدولة المحتلة إلى الأراضي المحتلة. ان غياب المساءلة القانونية وعدم ملاحقة المستوطنين الذين يرتكبون هذه الانتهاكات يشجع المزيد من العنف من قبل المستوطنين، وتعزيز بيئة الإفلات من العقاب، ما يؤدي إلى تصعيد الاعتداءات والانتهاكات على الفلسطينيين وأراضيهم وممتلكاتهم وحريتهم وحقوقهم، ويجعل من الاستيطان الإسرائيلي عقبة أمام تحقيق السلام. الرسم البياني رقم 2: الأشجار الفلسطينية التي تم اقتلاعها من قبل الاحتلال الإسرائيلي و مستوطنيه خلال الأعوام الماضية
[1] تطهير عِرقيّ لتجمّعات وعائلات معزولة في الضفة الغربية (لغاية 25 كانون الثاني 2026)
https://www.btselem.org/arabic/settler_violence_updates_list?importance=1
اعداد:















